جيلٌ وُلد بعيداً عن الوطن لكنه لم ينفصل عنه. يتحدّث لغات البلدان التي نشأ فيها، ويحمل في الوقت نفسه ذاكرة أسرة هاجرت أو هُجّرت. السؤال ليس هل يهتمّ الشباب الإرتري في المهجر بقضيتهم، بل كيف يتحوّل هذا الاهتمام المتفرّق إلى فعلٍ منظّم له أثر.
تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الإرتريين يعيشون خارج البلاد، وأن شريحة واسعة منهم وُلدت أو ترعرعت في المهجر. هذه ليست تفصيلاً ديموغرافياً؛ إنها واقع يعيد تعريف معنى «الداخل» و«الخارج» في القضية الإرترية. فجزء أساسي من الطاقة البشرية الإرترية — تعليماً وخبرة وقدرة على التنظيم — موجود اليوم خارج الحدود.
ثلاث فجوات تعطّل المشاركة
حين نسأل لماذا يبقى حضور الشباب أقلّ ممّا ينبغي، تظهر ثلاث فجوات متكرّرة:
- فجوة اللغة: كثير من الخطاب السياسي الإرتري يُنتج بالعربية أو التغرينية فقط، بينما يقرأ جزء كبير من الجيل الثاني بالإنجليزية أو بلغة بلد الإقامة. الرسالة التي لا تصل ليست رسالة.
- فجوة الأدوات: النقاش الجاد ما زال يجري في قاعات ومنتديات مغلقة، بينما يعيش هذا الجيل على منصات بصرية سريعة. الفكرة الصحيحة بقالبٍ لا يصل تبقى حبيسة.
- فجوة الثقة: شبابٌ رأى انقسامات طويلة بين القوى السياسية، فصار يتردّد قبل الانخراط خشية أن يُستخدم في خلافٍ لا ناقة له فيه ولا جمل.
ما الذي يمكن فعله؟
الجواب ليس في دعوة الشباب إلى الانضمام إلى أطر قائمة كما هي، بل في فتح مساحات يملكونها فعلاً. تجارب عملية أثبتت جدواها في جاليات أخرى:
- إنتاج المحتوى بثلاث لغات على الأقل، وبقوالب قصيرة تصلح للمنصات التي يستخدمونها بالفعل.
- مشاريع توثيق شفهي يقودها الشباب: تسجيل شهادات الجيل الأول قبل أن تضيع، وهو عمل يجمع بين القيمة الوطنية والمهارة المهنية.
- شبكات مهنية تربط الطلاب والخريجين الإرتريين حول تخصّصاتهم، فتكون بوّابة انخراط طبيعية بلا شرط سياسي مسبق.
الجيل الذي لم يرَ الوطن ليس جيلاً بلا وطن؛ إنه جيل ينتظر أن يُقدَّم له الوطن بلغةٍ يفهمها وبمساحةٍ يملكها.
مسؤولية مشتركة
المسؤولية هنا متبادلة. على القوى الوطنية أن تفتح أبوابها فعلياً لا شكلياً، وأن تقبل أن يأتي الجيل الجديد بأولويات وأساليب مختلفة. وعلى الشباب أن يدركوا أن الغياب ليس حياداً: المساحة التي لا يملؤها من يريد التغيير، يملؤها غيره.
حضور الشباب الإرتري في المهجر ليس ملفاً فرعياً في العمل الوطني، بل هو أحد شروط استمراره. فالقضايا التي لا تجد من يحملها في الجيل التالي، تنتهي مع جيلها الأول مهما كانت عادلة.