حين تقترب المراحل الانتقالية من نهايتها، يكتشف كثيرون أن السؤال الأصعب لم يكن «من يحكم؟» بل «على أي أساس يحكم؟». فالسلطة تتبدّل، أمّا القواعد التي تنظّم العلاقة بين الدولة ومواطنيها فهي التي تبقى، وهي وحدها التي تحدّد ما إذا كان التغيير بداية مسار جديد أم مجرّد تبديل في الوجوه.
يُختزل الحديث عن مستقبل إرتريا في أغلب الأحيان إلى مسألة السلطة: من يتولّاها، وكيف تُقتسم، ومتى تُسلَّم. وهذا اختزال مفهوم بعد عقود من الحكم الفردي، لكنه اختزال ناقص. فالتجارب التي مرّت بها بلدان كثيرة في محيطنا الإقليمي تقول إن إسقاط نظامٍ ما ليس ضماناً لقيام نظامٍ أفضل، وإن الفراغ الذي يعقب التغيير يملؤه — في غياب اتفاق مسبق على القواعد — أقوى الأطراف تنظيماً وسلاحاً، لا أكثرها تمثيلاً للناس.
العقد الاجتماعي، في جوهره، ليس وثيقة قانونية ولا نصّاً دستورياً بالضرورة. إنه الحد الأدنى من الاتفاق الذي يقبل به الإرتريون جميعاً — على اختلاف مناطقهم ولغاتهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسية — حول شكل الدولة التي يريدون العيش فيها معاً. الدستور يأتي لاحقاً ليصوغ هذا الاتفاق في مواد؛ لكنه لا يستطيع أن يخلقه من العدم.
لماذا العقد الاجتماعي أولاً؟
لأن ترتيب الأولويات ليس تفصيلاً إجرائياً. حين يُطرح تقاسم السلطة قبل الاتفاق على قواعد اللعبة، تتحوّل كل مفاوضة إلى صراع صفري: ما يكسبه طرف يخسره آخر. أمّا حين يُتّفق أولاً على المبادئ الحاكمة — المواطنة المتساوية، وتداول السلطة، وخضوع الجميع للقانون — فإن مسألة «من يحكم» تصبح سؤالاً إجرائياً تحسمه صناديق الاقتراع، لا سؤالاً وجودياً يخشى كل طرف أن تكون خسارته فيه نهائية.
هذا التمييز عملي أكثر ممّا يبدو. الأطراف التي تطمئن إلى أن خسارتها في انتخابات اليوم لا تعني إقصاءها غداً، هي وحدها القادرة على قبول نتائج لا تعجبها. والاطمئنان هنا لا يُصنع بالوعود، بل بقواعد مكتوبة ومؤسسات قادرة على حمايتها.
ثلاث ركائز لا غنى عنها
مهما اختلفت الصياغات، يصعب تصوّر عقد اجتماعي مستقر في إرتريا لا يقوم على ركائز ثلاث:
- المواطنة المتساوية: أن يكون الانتماء إلى الدولة هو أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء إلى منطقة أو لغة أو دين أو تنظيم سياسي. المساواة هنا ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، بل شرط عملي لبقاء الدولة موحّدة.
- سيادة القانون: أن تكون القاعدة القانونية فوق الجميع، حاكمين ومحكومين، وأن يكون القضاء مستقلاً بما يكفي ليقول للسلطة «لا» دون أن يدفع قضاته ثمن ذلك.
- الاعتراف بالتنوّع: أن يُدار التعدّد اللغوي والثقافي والديني بوصفه واقعاً طبيعياً ورصيداً وطنياً، عبر ترتيبات مؤسسية عادلة، لا أن يُنكر باسم الوحدة ولا أن يُوظَّف باسم الخصوصية.
الدولة التي لا يشعر فيها المواطن بأن القانون يحميه، سيبحث حتماً عن حماية في مكان آخر — في القبيلة أو المنطقة أو التنظيم. وهكذا تبدأ الدول في التآكل من الداخل، قبل أن يهدّدها أحد من الخارج.
من الهوية إلى المواطنة
لعقود طويلة، جرى التعامل مع التنوّع الإرتري باعتباره خطراً يجب احتواؤه. والنتيجة أن كثيرين صاروا يعرّفون أنفسهم بما يميّزهم عن غيرهم لا بما يجمعهم معهم. الخروج من هذه الدائرة لا يكون بمزيد من الإنكار، بل بالانتقال من منطق «الهوية التي تُمنح لي الحقوق بموجبها» إلى منطق «المواطنة التي تضمن لي الحقوق ذاتها مهما كانت هويتي».
هذا الانتقال بطيء بطبيعته، ولا تصنعه النصوص وحدها. يحتاج إلى مؤسسات تعمل، وإلى إعلام لا يغذّي الاصطفاف، وإلى ممارسة سياسية يومية يرى فيها الناس أن القاعدة تُطبَّق على الجميع فعلاً لا قولاً. لكن النص شرط لازم حتى وإن لم يكن كافياً: من دون التزام مكتوب ومُلزِم، تبقى المساواة رهينة نوايا من يحكم.
الطريق إلى هناك
لا يُصاغ العقد الاجتماعي في غرفة مغلقة ولا يُعلن في بيان. يُبنى عبر حوار وطني واسع يشارك فيه من هم داخل الوطن ومن هم في المهجر، ويُتاح فيه للمجموعات التي طال تهميشها أن تتحدّث عن نفسها بنفسها. وكلّما اتّسعت دائرة المشاركين في الصياغة، ارتفعت كلفة الانقلاب على النتيجة لاحقاً.
والأهم أن هذا العمل لا ينتظر لحظة التغيير ليبدأ. الاتفاق على المبادئ يمكن أن يبدأ اليوم، بين القوى السياسية والمدنية والشخصيات المستقلة، بحيث لا نصل إلى اليوم التالي للتغيير ونحن نبدأ النقاش من الصفر. المراحل الانتقالية قصيرة ومزدحمة، ومن لم يُعدّ إجاباته سلفاً سيجد نفسه مضطراً إلى ارتجالها تحت الضغط.
إن السؤال الذي يستحق أن يشغلنا الآن ليس «متى يسقط الاستبداد؟» بل «ما الذي سنضعه مكانه؟». والإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً فكرياً، بل هي أثمن ما يمكن أن تقدّمه المعارضة الإرترية لبلدها اليوم.