الائتلاف الوطني الديمقراطي الارتري | Eritrean National Democratic Coalition

العدالة الانتقالية: من أين نبدأ؟

الرئيسيةالأخبار والبيانات ← المقال

بين المحاسبة والمصالحة طريق ثالث لا يقوم على الانتقام ولا على النسيان. والسؤال الذي يواجه أي مرحلة انتقالية إرترية ليس هل نحاسب أم نصفح، بل كيف نبني رواية وطنية يعترف فيها الضحايا بأنهم رُئوا، دون أن تتحوّل العدالة إلى أداة جديدة للإقصاء.

لا توجد وصفة جاهزة للعدالة الانتقالية. جنوب أفريقيا اختارت لجان الحقيقة، ورواندا مزجت بين المحاكم الدولية والقضاء المجتمعي، والمغرب فتح ملف سنوات الرصاص عبر هيئة إنصاف ومصالحة. اختلفت المسارات لأن السياقات اختلفت، لكن ما يجمعها جميعاً أن أياً منها لم يبدأ من فراغ: كان هناك دائماً قرار سياسي مسبق بأن الماضي لن يُترك بلا معالجة.

ما الذي نتحدث عنه بالضبط؟

العدالة الانتقالية ليست محاكمات فحسب. هي حزمة من الإجراءات المتكاملة، إذا نُزع منها عنصر اختلّ الباقي:

  • كشف الحقيقة: توثيق ما جرى بشهادات الضحايا وأسرهم، لا بروايات المنتصرين. التوثيق نفسه شكل من أشكال الإنصاف، حتى قبل أي حكم قضائي.
  • المساءلة: ملاحقة من يتحمّلون المسؤولية الكبرى عن الانتهاكات الجسيمة، عبر قضاء نزيه لا عبر عدالة الغالب.
  • جبر الضرر: تعويض مادي ومعنوي للضحايا، وإعادة اعتبار عام لمن جرى تشويههم أو محو ذكرهم.
  • ضمانات عدم التكرار: إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية بحيث يستحيل عملياً إعادة إنتاج ما جرى.

لماذا يفشل الترتيب الخاطئ؟

حين تبدأ المرحلة الانتقالية بالمحاكمات وحدها، تتحوّل العدالة إلى ساحة صراع سياسي، ويشعر كل طرف بأن دوره في قفص الاتهام مسألة وقت. وحين تبدأ بالعفو الشامل وحدها، يخرج الضحايا من المعادلة تماماً، وتُبنى الدولة الجديدة على جرحٍ مفتوح لا يلتئم. الترتيب السليم يبدأ بالحقيقة: توثيق واسع وعلني يسبق أي قرار بالمحاسبة أو الصفح، لأنه وحده ما يجعل القرار لاحقاً قابلاً للقبول.

لا تُطوى صفحة لم تُقرأ. والمجتمعات التي تُجبر على النسيان قبل أن تعرف، تُعيد إنتاج ما نسيته في الجيل التالي.

من أين نبدأ عملياً؟

نبدأ من التوثيق، والآن. لا يحتاج جمع الشهادات إلى سلطة ولا إلى مقرّ رسمي؛ يحتاج إلى منهجية وأمانة وحفظ آمن للمعلومات. الشتات الإرتري، بما يملكه من حرية حركة وتنظيم، قادر على إنشاء أرشيف مستقل للشهادات يسبق أي ترتيب سياسي ويبقى مرجعاً له.

ثم نبدأ من الاتفاق المبكّر على المبادئ: أن العدالة ستكون فردية لا جماعية، فلا يُحاسب أحد بانتمائه؛ وأن المسؤولية تتدرّج، فلا يُساوى من أصدر الأمر بمن نفّذه تحت الإكراه؛ وأن جبر الضرر حق لا منّة. هذه مبادئ يمكن التوافق عليها اليوم بين القوى الوطنية، قبل أن تختلط بحسابات اللحظة الانتقالية.

العدالة الانتقالية ليست محكمة تُعقد في يوم، بل مسار يمتدّ سنوات. وكلّما بدأ التحضير له مبكراً، قلّت فرصة أن يتحوّل إلى معركة جديدة تُضاف إلى معاركنا القديمة.

شارك المقال:
الائتلاف الوطني الديمقراطي الإرتري
الائتلاف الوطني الديمقراطي الإرتري

تحالفٌ وطني يجمع القوى السياسية والمدنية الإرترية من أجل التغيير الديمقراطي والعدالة والوحدة الوطنية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً

بيان الائتلاف حول المستجدات الوطنية

بيان صادر عن الأمانة العامة للائتلاف يحدّد موقفه من المستجدات الوطنية الراهنة ويدعو القوى الوطنية إلى تغليب...

اقرأ المزيد ←

نحو عقد اجتماعي جديد في إرتريا

حين تقترب المراحل الانتقالية من نهايتها، يكتشف كثيرون أن السؤال الأصعب لم يكن «من يحكم؟» بل «على...

اقرأ المزيد ←

لقاء تنظيمي لمكوّنات الائتلاف

لقاء تنظيمي موسّع استمرّ يومين لمراجعة مسار العمل المشترك بين مكوّنات الائتلاف وتطوير آليات التنسيق والخطاب الإعلامي...

اقرأ المزيد ←
Scroll to Top